الأطفال واللغة: حروف أولى في رحم الأم

الأطفال واللغة: حروف أولى في رحم الأم
يمتلك الأطفال حديثو الولادة قدرة استثنائية على اكتساب اللغة، قد تبدأ قبل الولادة، إذ يمكن أن يسهم التعرض للّغة ما قبل الولادة في تهيئة أدمغتهم لاكتساب هذه اللغة، وفقاً لنتائج دراسة جديدة نشرت يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، في مجلة سَينس.

أشارت الدراسة إلى أن موجات دماغ الأطفال حديثي الولادة تتوافق مع اللغة التي تعرضوا لها في أغلب الأحيان داخل الرحم. ويعتقد الباحثون أنه يمكن للأطفال الرضع أن يلتقطوا اللغة بوتيرة ملحوظة، ويصبحوا متناغمين مع أصوات لغتهم الأم عند عمر عام واحد تقريباً.

كذلك، بينت الأبحاث أن هذه القدرة قد تبدأ قبل الولادة، إذ يمكن للأطفال الذين لم يولدوا بعد، أن يبدأوا بسماع الأصوات خارج جسم أمهم عند نحو سبعة أشهر من الحمل.

وأظهر الأطفال، بعد أيام قليلة من الولادة، أنهم يفضلون أصوات أمهاتهم ولغتهم الأم. كما أظهرت دراسات سابقة أن الأطفال حديثي الولادة يفضلون أصوات أمهاتهم، ويمكنهم التعرف إلى الموسيقى، وكذلك إيقاعات وألحان الكلام المسموع في الرحم.

موجات دماغ الأطفال

أدى تشكل الوعي الإدراكي باللغة في الرحم، أيضاً، إلى تمكين المواليد الجدد من التعرف إلى الإيقاعات والألحان التي يسمعونها في الرحم. وقد يساعدهم التعرض للموسيقى، قبل الولادة، على تطوير القدرات الموسيقية.

وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة وباحثة الدكتوراه في مركز بادوفا لعلوم الأعصاب في إيطاليا، بينيديتا مارياني، إن "توفر هذه النتائج الدليل الأكثر إقناعاً حتى الآن على أن الخبرة اللغوية تشكل بالفعل التنظيم الوظيفي لدماغ الطفل، حتى قبل الولادة". وأضافت مارياني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الأطفال النائمين الذين تعرضوا في الأشهر الأخيرة من الحمل للغة أمهاتهم الأصلية، أظهروا إشارات دماغية مرتبطة بتعلم الكلام واللغة على المدى الطويل.

أشرك الباحثون 33 من الأمهات الحوامل الناطقات بالفرنسية من جناح الولادة في مستشفى روبرت ديبري في باريس، حيث استخدمن تقنية تسمى تخطيط الدماغ لمراقبة موجات الدماغ لأطفالهن، بين عمر يوم وخمسة أيام بعد الولادة.

في البالغين، تلعب سلسلة من التذبذبات العصبية أو موجات الدماغ دوراً في فهم الكلام واللغة. استخدم الباحثون مخطط كهربية الدماغ، لتحديد ما إذا كانت بنية الدماغ هذه، الموجودة لدى البالغين الذين يتمتعون بخبرة لغوية أكبر، موجودة بالفعل -إلى حد ما- في دماغ الأطفال حديثي الولادة. وإذا كان الأمر كذلك، فهل تتماشى الإيقاعات التي تنتجها أدمغتهم مع إيقاعات اللغة التي سمعوها في أغلب الأحيان في الرحم.

إشارات ترددية

أوضحت المؤلفة المشاركة في الدراسة أن الفريق شغّل نسخاً باللغات الفرنسية والإسبانية والإنكليزية من حكاية الأطفال الخيالية Goldilocks and the Three Bears، بترتيبات مختلفة، كل مجموعة تبدأ وتنتهي بثلاث دقائق من الصمت، في أثناء نوم الأطفال، ومن ثم تسجيل التذبذبات في أدمغتهم.

لهذا الغرض، جُهّز الأطفال بقبعات تحتوي على 10 أقطاب كهربائية نشطة، وُضعت في المناطق التي تغطي مناطق الدماغ المرتبطة بالإدراك السمعي والكلام.

قاست الأقطاب الكهربائية النشاط الفيزيولوجي الكهربي كإشارات ترددية، ما ساعد الباحثين على تحديد ما إذا كان سماع هذه اللغات ينشط موجات الدماغ المرتبطة بمعالجة عناصر مختلفة من الكلام.

وأظهر الأطفال الذين استمعوا إلى اللغة الفرنسية ارتباطات زمنية طويلة المدى مرتبطة بإدراك الكلام ومعالجته.

وأوضحت مارياني أن "تخطيط أمواج الدماغ فعال لأنه يقيس نشاط الدماغ مباشرةً كمقياس زمني، بالمللي ثانية، وهو أمر ضروري لاكتشاف الديناميكيات الزمنية للتذبذبات العصبية. كذلك إن مخطط كهربية الدماغ غير جراحي ويمكن تحمله جيداً، حتى من الأطفال الصغار". وأضافت: "من المؤكد أن هذه التقنية يمكن أن تساعدنا في المستقبل في تحديد كيفية تغير قدرات التعلم مع عمر الطفل، وما هي نطاقات التردد التي يستهدفها تعلم اللغة في مختلف الأعمار".